العلامة المجلسي
87
بحار الأنوار
عمره مكفيا لا يحتاج إلى شئ ؟ وكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للانسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله ولا خير فيه إن ناله . واعلم يا مفضل أن رأس معاش الانسان وحياته الخبز والماء ، فانظر كيف دبر الامر فيهما ، فإن حاجة الانسان إلي الماء أشد من حاجته إلى الخبز ، وذلك أن صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش ، والذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز ، لأنه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه ، فجعل الماء مبذولا لا يشترى لتسقط عن الانسان المؤونة في طلبه وتكلفه ، وجعل الخبز متعذرا لا ينال إلا بالحيلة والحركة ليكون للانسان في ذلك شغل يكفه عما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والعبث ، ألا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدب وهو طفل لم يكمل ذاته للتعليم كل ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث اللذين ربما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم ، وهكذا الانسان لو خلا من الشغل لخرج من الأشر والعبث والبطر إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه ، واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة ورفاهية العيش والترفه والكفاية وما يخرجه ذلك إليه . اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما يتشابه الوحوش والطير وغير ذلك ؟ ( 1 ) فإنك ترى السرب من الظباء والقطا ( 2 ) تتشابه حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الأخرى ، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة ، والعلة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كل واحد منها بعينه وحليته ، ألا ترى أن التشابه في الطير والوحش لا يضرهما شيئا ، وليس كذلك الانسان فإنه ربما تشابه التوأمان تشابها شديدا فتعظم المؤونة على الناس في معاملتهما
--> ( 1 ) المراد بالتشابه التشابه العرفي كما يدل عليه بيانه الآتي ، وأما التشابه الحقيقي فليس منه أثر لا في الانسان ولا في غيره وقد قام عليه البرهان وساعده التجارب العلمي . ط ( 2 ) السرب - بكسر السين وسكون الراء - : القطيع من الظباء والطير وغيرها . والقطا جمع للقطاة : طائر في حجم الحمام .